السيدات والسادة ممثلي الدول والمنظمات الدولية،
السيدات والسادة ممثلي المؤسسات الوطنية والهيئات المستقلة،
السيدات والسادة ممثلي المجتمع المدني،
الحضور الكريم،
يسعدني أن أشارك معكم اليوم في هذا اللقاء، حول موضوع لم يعد يندرج فقط ضمن النقاشات التقنية المرتبطة بالحكامة، بل أصبح يحتل موقعا متقدما داخل التفكير الدولي المعاصر حول مستقبل حقوق الإنسان والسياسات العمومية.
إننا في الهيئة الوطنية للنزاهة بالمملكة المغربية كهيئة دستورية مستقلة، نعتبر أن العلاقة بين حماية حقوق الإنسان والوقاية من الفساد لم تعد مجرد علاقة تكميلية أو ظرفية، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى علاقة بنيوية تعيد تشكيل فهمنا لوظيفة مؤسسات الدولة ذاتها، ولمعنى الحماية المؤسساتية، في عالم يتزايد فيه الوعي بأن الفساد أضحى أحد أخطر العوامل التي تضعف قدرة الدول على ضمان الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة.
صحيح، لقد ظل الفساد، لفترة طويلة، يُقدم باعتباره قضية مرتبطة أساسا بسوء التدبير أو بانحراف استعمال السلطة، غير أن التجارب الدولية المتراكمة، والتطور الذي عرفه القانون الدولي لحقوق الإنسان، والآثار العميقة للفساد على الأفراد والمجتمعات، كلها عناصر تدفعنا تدريجيا نحو إعادة النظر في هذا التصور الضيق، وتبني مقاربة الأثر المباشر للفساد على "أصحاب الحقوق". إننا لم نعد نتحدث فقط عن أموال مهدورة، بل عن "ضحايا فعليين للفساد" سُلبت حقوقهم، مقاربة تستحضر أيضا الفساد المبني على النوع الاجتماعي باعتباره عائقا مباشرا أمام المساواة وعقبة أمام الإنصاف المؤسساتي، وتفرض الانتباه لتأثير للفساد على النساء والفتيات. مقاربة ربما تفرض علينا الارتقاء بآلياتنا لضمان الحق في الانتصاف الفعال باعتباره حقا غير قابل للتصرف.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم داخل هذا الفضاء الأممي لم يعد هو: كيف نحارب الفساد؟ بل: كيف نحمي حقوق الإنسان عبر الوقاية من الفساد؟ بل وحتى كيف نحمي حقوق الإنسان من التداعيات المحتملة لتدابير محاربته؟ وهنا بالتحديد، أعتقد أننا أمام لحظة فكرية ومؤسساتية جديدة، تقتضي الانتقال من مجرد الاعتراف بوجود علاقة بين المجالين، إلى إعادة بناء هذه العلاقة على أسس معيارية أكثر عمقا وتكاملا، عبر تطوير القرارات الأممية في كلتا الآليتين، وعبر ضمان الالتقائية في تطوير المؤشرات وفق مسار أممي واضح. أعتقد أنه حان الوقت لكي ننظر للوقاية من الفساد باعتبارها، تحولا تدريجيا إلى التزام إيجابي يقع على عاتق الدول من أجل حماية الحقوق والحريات وضمان التمتع الفعلي بها.
فإذا كانت الدول، وفق تطور منظومة حقوق الإنسان، ملزمة باحترام الحقوق وبحمايتها، وبإعمالها فإننا نعتقد أن اتخاذ التدابير الوقائية الضرورية لحماية الحقوق من المخاطر البنيوية التي قد تُقوضها، تدخل ضمنها المخاطر الناتجة عن الفساد، وضعف النزاهة.
فتصبح بهذا المنظور، الوقاية من الفساد جزءا من واجب العناية الذي يقع على عاتق الدول، وجزءا من التزاماتها الإيجابية الرامية إلى ضمان الحماية الفعلية للحقوق، وهو التزام يمتد لحماية "الفضاء المدني"، وتوفير قنوات الإبلاغ الآمنة التي تعترف بمبلّغي الفساد كـ "مدافعين عن حقوق الإنسان".
وهنا ننتقل تدريجيا من منطق "مكافحة الفساد" إلى منطق أوسع وأكثر نضجا، هو منطق "النزاهة المؤسساتية"، لأن المؤسسة النزيهة ليست فقط مؤسسة خالية من الفساد، بل هي مؤسسة قادرة على حماية الحقوق، وضمان المساواة والإنصاف في الولوج إلى الخدمات والفرص والعدالة.
وبهذا ننتقل، في الواقع، إلى تصور قائم على إدماج شامل لحقوق الإنسان في كافة أطياف عمل هيئات مكافحة الفساد، بدءا من الوقاية والإنفاذ، مرورا برسم السياسات والاستراتيجيات وتنزيلها، وصولا إلى الحكامة والتدبير الداخلي.
السيدات والسادة،
أعتقد أن القرارات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان، والتطورات التي يعرفها تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، تؤكد أننا أمام حاجة حقيقية إلى بناء قدر أكبر من الانسجام بين المسارات الأممية في جنيف وفيينا ونيويورك. فالربط البنيوي بين منظومتي النزاهة وحقوق الإنسان لا يستند إلى ترف نظري، بل يتأصل من بنية قانونية دولية متكاملة وغير قابلة للتجزئة، أساسها "التكامل المنهجي" في قراءة الصكوك الدولية كمنظومة موحدة يفسر بعضها بعضاً. وبالتالي، لا يمكن بأي حال من الأحوال عزل التزامات الدول بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عن التزاماتها الأصلية في مجال حقوق الإنسان، فهما وجهان لالتزام واحد غايته حماية الإنسان وصون كرامته.
بل إننا نعتبر أن الفصل التقليدي بين المجالين؛ أصبح أقل قدرة على تفسير تعقيدات الواقع، فربما نكون اليوم أمام الحاجة لتطوير ما يمكن تسميته بـ:"الحكامة الوقائية القائمة على حقوق الإنسان". وغدا أمام الحاجة لضمان الحق في الانتصاف لضحايا الفساد.
وفي هذا السياق، قد يكون من الضروري أيضا الانتقال من مجرد الاعتراف النظري بالعلاقة بين المجالين، إلى بناء شراكات مؤسساتية فعلية تدمج بين منظومتي مكافحة الفساد وحقوق الإنسان، عبر معابر تجمع هيئات النزاهة والوقاية من الفساد، والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ومؤسسات الوساطة، والآليات الوطنية لإعداد التقارير، والمجتمع المدني وغيرها من الهيئات المعنية.
السيدات والسادة؛
إننا نعتقد أن الوقت قد حان لإيجاد فضاءات أكثر انتظاما للحوار والتعاون والتكامل بين هذه المؤسسات، سواء على المستوى الدولي أو المستويات الوطنية، بما يسمح بتطوير مقاربات مشتركة في عدد من المجالات مثل النزاهة في الخدمات الأساسية؛ وحماية الفئات الهشة من آثار الفساد؛ والتربية على حقوق الإنسان والنزاهة؛
ولذلك، نعتقد أنه من المفيد، التفكير بشكل تدريجي وهادئ في سبل تعزيز المقاربات الأممية المتخصصة القادرة على مواكبة هذه الالتقائية، سواء من خلال تطوير التعاون بين الآليات القائمة، أو تشجيع مبادرات دولية تساعد على بناء فهم أكثر تكاملا لهذه العلاقة وأكثر قدرة على استيعاب الطبيعة المركبة للمخاطر التي تهدد الإنسان وحقه الأصيل في بيئة خالية من الفساد لا تؤثر سلبا على تمتعه بحقوقه الأساسية.
السيدات والسادة،
إن الرهان الحقيقي الذي يواجهنا اليوم يكمن في قدرتنا الجماعية على بناء بيئة مؤسساتية تجعل انتهاك الحقوق أكثر صعوبة وكلفة، وتجعل النزاهة، باعتبارها خيارا أكثر تحفيزا ومردودية، جزءا من البنية العميقة للدولة والمجتمع التي تجعل من الكرامة الإنسانية قيمة ملموسة داخل الحياة اليومية للأفراد، حيث يصبح الامتثال لقواعد النزاهة الوجه الآخر لضمان كافة الممارسات المسؤولة.
السيدات والسادة،
لأننا في المملكة المغربية ننظر للوقاية من الفساد باعتبارها جزءا من مشروع أوسع لحماية الإنسان ذاته، وصون حقوقه، فجلالة الملك نصره الله، يؤكد على أن محاربة الفساد هي قضية الدولة بمؤسساتها والمجتمع بجميع مكوناته، لذا حرصنا على الانخراط في مبادرة بناء جسور مؤسساتية بين منظومات النزاهة ومنظومات حقوق الإنسان، ليس فقط من زاوية التنسيق التقني، بل باعتبارها تعبيرا عن تطور وعمق فهمنا للترابط القائم بين المجالين. ونحن نعتقد أن هذه المبادرات التي يشهدها المغرب اليوم بتوجيهات ملكية، تعكس هذا التوجه نحو بناء مقاربات أكثر تكاملا في حماية الحقوق وتعزيز النزاهة.
وشكرا لكم
السيدات والسادة ممثلي الدول والمنظمات الدولية، السيدات والسادة ممثلي المؤسسات الوطنية والهيئات المستقلة، السيدات والسادة ممثلي المجتمع المدني، الحضور الكريم، يسعدني أن…
على هامش مشاركته في أشغال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقدة بجنيف، عقد السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والوفد المرا…
تشارك الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بوفد يترأسه السيد محمد بنعليلو رئيس الهيئة، خلال يومي، 24 و25 يونيو 2026، في أشغال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم ال…