أكد السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن الرهان الحقيقي في مجال مكافحة الفساد لا يقتصر على تطوير التشريعات أو تعزيز أجهزة الرقابة وإنفاذ القانون، وإنما يبدأ، قبل ذلك، من بناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم التي تشكل أساس السلوك الفردي والجماعي داخل المجتمع. 

 

وجاء ذلك خلال افتتاح اللقاء الوطني المخصص لتقييم المرحلة الأولى من برنامج «أجيال النزاهة»، المنظم بشراكة بين الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، يومه الاثنين 15 يونيو 2026 بالرباط، والذي خصص لعرض حصيلة المرحلة التجريبية للبرنامج واستشراف شروط الانتقال إلى مرحلة التعميم والاستدامة والتأطير المؤسساتي. 

 

وأوضح رئيس الهيئة أن التجارب الوطنية والدولية أثبتت أن بناء مجتمعات أكثر نزاهة لا يتحقق فقط عبر السياسات العقابية، وإنما من خلال الاستثمار المبكر في التربية على القيم وتعزيز مناعة الأفراد الأخلاقية والمدنية، بما يمكنهم من التمييز بين السلوك المشروع وغير المشروع، ويعزز قدرتهم على الدفاع عن المصلحة العامة واحترام قواعد المواطنة والمسؤولية. 

 

وأضاف أن النزاهة ليست مجرد قاعدة قانونية أو التزام إداري، بل هي ثقافة مجتمعية تتشكل تدريجيا داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام، قبل أن تنعكس على جودة المؤسسات ومستوى الثقة داخل المجتمع. ولذلك فإن الاستثمار في التربية على النزاهة يمثل استثمارا استراتيجيا في المستقبل، وفي نوعية المواطن الذي ستعتمد عليه الدولة في تدبير الشأن العام خلال العقود المقبلة. 

 

وأكد السيد محمد بنعليلو أن انفتاح الهيئة على المدرسة المغربية يندرج ضمن رؤية استراتيجية تعتبر الوقاية من الفساد مسارا مجتمعيا طويل الأمد، يقوم على بناء الوعي والسلوك قبل اللجوء إلى آليات الزجر والمساءلة، مشددا على أن المدرسة تمثل أحد أهم الفضاءات القادرة على ترسيخ قيم المسؤولية والاستحقاق والشفافية والمواطنة الفاعلة. 

 

وفي هذا السياق، أبرز رئيس الهيئة، أن برنامج «أجيال النزاهة» لا يقوم على مقاربة توعوية تقليدية تجعل المتعلم مجرد متلق للمعرفة، وإنما يعتمد رؤية تربوية تفاعلية تهدف إلى تحويل النزاهة من قيمة مجردة إلى ممارسة يومية وسلوك مدني ينعكس في علاقة التلميذ بمحيطه المدرسي والاجتماعي. 

 

كما شدد على أن قوة البرنامج لا تكمن فقط في نتائجه الكمية، وإنما في الديناميات التي أطلقها داخل المؤسسات التعليمية المشاركة، وما أفرزه من مبادرات وتفاعلات ميدانية عكست قدرة الفاعلين التربويين والمتعلمين على تملك أهدافه وإعادة إنتاجها داخل محيطهم المدرسي والتربوي. 

 

وأشار إلى أن المرحلة الأولى من البرنامج شملت 56 مؤسسة تعليمية موزعة على ثلاث أكاديميات جهوية للتربية والتكوين، واستفاد منها ما يقارب ألفي تلميذة وتلميذ، إلى جانب 432 من الأطر التربوية والإدارية، مبرزا أن نتائج التقييم أظهرت مستويات مرتفعة من التفاعل والرضى، سواء لدى المتعلمين أو لدى الأطر التربوية، بما يؤكد وجاهة هذا التوجه وأهميته في تعزيز التربية على القيم داخل المنظومة التعليمية. 

 

وأكد رئيس الهيئة أن الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم يطرح رهانات جديدة تتعلق بالحفاظ على جودة التنزيل، وضمان تماسك النموذج البيداغوجي، وتأهيل الموارد البشرية، وتأمين شروط الاستمرارية المؤسساتية، بما يجعل من التربية على النزاهة مكونا مستداما ضمن الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الثقة وترسيخ قيم المواطنة. 

 

واعتبر أن النزاهة ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، وإنما مسؤولية جماعية تتكامل فيها أدوار مختلف الفاعلين العموميين والتربويين والمدنيين، مؤكدا أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في بناء تحالف مجتمعي واسع يجعل من النزاهة ثقافة يومية وسلوكا اجتماعيا راسخا، لا مجرد موضوع للتوعية أو شعار ظرفي. 

 

وفي ختام كلمته، دعا رئيس الهيئة إلى مواصلة تطوير هذه المبادرة المشتركة بما يمكن من تحويلها إلى رافعة وطنية مستدامة للإسهام في بناء أجيال جديدة تتشبع بقيم المسؤولية والشفافية والاستحقاق، وتسهم في بناء مؤسسات أكثر قوة وفعالية، ومجتمع أكثر ثقة في ذاته وفي مؤسساته. 

 

وأكد أن الرهان يتجاوز حدود برنامج تربوي أو مشروع مؤسساتي، ليطال صورة المغرب كما أراده جلالة الملك، نصره الله، وكما تتطلع إليه الأجيال القادمة؛ مغرب تصان فيه الثقة باعتبارها رأسمالا جماعيا، وتمارس فيه المواطنة المسؤولة، وتتحول فيه النزاهة إلى ممارسة يومية داخل الإدارة والمقاولة والفضاء العام.

أحدث المستجدات

15/06/2026
  • مستجدات :

أكد السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن الرهان الحقيقي في مجال مكافحة الفساد لا يقتصر على تطوير التشريعات أو تعزيز أجهزة الرقابة وإنفاذ القانون، وإنما يبد…

13/06/2026

أكد السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن الصحافة المهنية تشكل أحد الأعمدة الأساسية لأي منظومة فعالة للنزاهة والشفافية والمساءلة، معتبرا أن المجتمعات التي ت…

08/06/2026
  • مستجدات :

وقع السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، يوم الإثنين 8 يونيو 2026 بمدينة بازل السويسرية، اتفاقية تعاون مع السيدة إليزابيث أندرسن، المديرة التنفيذية لمعهد بازل…