تأتي الاستراتيجية المؤسسية للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في مرحلة دقيقة من مسار ترسيخ النزاهة في المغرب، حيث أصبحت الحاجة ملحة إلى الانتقال من منطق تعدد المبادرات الوطنية في مجال مكافحة الفساد إلى منطق التمكين المؤسسي للهيئات الوطنية للحكامة، باعتبارها الفاعل الدستوري المركزي الذي يضمن انسجام الجهود الوطنية وتوجيهها نحو تحقيق أثر مؤسسي ملموس ومستدام.
في هذا الأفق، تقدم الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها استراتيجيتها المؤسسية الخماسية للفترة 2025-2030.
هذه الاستراتيجية ليست مجرد برنامج عمل إداري، وليست تمرينا إجرائيا في التخطيط، بل هي أولا ترجمة عملية للتوجيهات الملكية السامية، الرامية إلى إضفاء دينامية جديدة على مؤسسات الحكامة من خال تعزيز التفاعل مع الأجهزة الوطنية في تتبع الإصلاحات والأوراش الكبرى، وهي ثانيا إعلان جماعي عن إرادة واضحة:
• لإعادة تحديد موقع الهيئة كسلطة معيارية وتوجيهية داخل المنظومة الوطنية للنزاهة؛
• لتحويل النزاهة من شعار أخلاقي إلى ممارسة مؤسساتية قابلة للقياس؛
• ولجعل العلاقة بين المواطن والهيئة قائمة على قاعدة الثقة والوضوح والمصداقية، باعتبارها رأسمالا مؤسسيا ضروريا لاستدامة الأداء وليس مجرد شعور سياسي عام.
تسعى الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في أفق سنة 2030، إلى ترسيخ نفسها كمؤسسة قيادية مرجعية في هندسة النزاهة العمومية، قادرة على:
• توجيه السياسات العمومية في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته؛
• تعبئة الفاعلين العموميين والخواص والمجتمع المدني حول مشروع وطني جامع للنزاهة؛
• إحداث أثر قابل للقياس في العلاقة بين المواطن والهيئة.
هذه الرؤية ترتكز على ثلاث دعائم مترابطة:
1. النزاهة كقيمة مجتمعية ترَبى وتماَرس وتكافَأ؛
2. النزاهة كنظام مؤسساتي يدار، ويقاس، ويراجع بانتظام؛
3. النزاهة كرافعة للتنمية العادلة، وجودة الخدمة العمومية، وشرعية القرار العمومي.
وبذلك، فإن الهيئة لا تختزل النزاهة فقط في البعد الزجري لأفعال الفساد، بل تجعلها هندسة شاملة لمنظومة الثقة العامة.
الغاية المركزية لهذه الاستراتيجية هي تثبيت الهيئة، بشكل لا لبس فيه، كفاعل وطني قيادي في هندسة النزاهة بالمغرب، عبر:
• تمكينها المؤسسي؛
• رفع قدرتها على توجيه القرار العمومي؛
• بناء شرعية اجتماعية مستدامة حول دورها؛
• وخلق مسار واضح لقياس التحول بحلول سنة2030 ، يشمل الثقة في المؤسسات، جودة الخدمة العمومية، بيئة الاستثمار، ووقع الإصلاحات في إدراك المواطن وفي المؤشرات الدولية.
بلوغ هذه الغاية يتم عبر ستة محاور استراتيجية مهيكلة تمثل المستويات الأساسية لتدخل الهيئة.
ترتكز الاستراتيجية الخماسية للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها على 6 محاور استراتيجية، تُترجم إلى 24 محورا فرعيا وتضمّ 99 مشروعا.
تضطلع الهيئة، بصفتها مؤسسة دستورية مستقلة، برسالة ثلاثية الأبعاد:
• وظيفة معيارية: قيادة التوجه الوطني في مجال النزاهة، قياس المخاطر، وتحليل أثر السياسات، واقتراح الإصلاحات وتوجيه القرار العمومي؛
• وظيفة تعبوية: بناء وتعبئة جبهة وطنية ضد الفساد، تضم المؤسسات الدستورية، والقطاع العام والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والإعام، والجامعة، والمواطن؛
• وظيفة المكافحة: من خال معالجة احترافية للشكايات والتبليغات والمعلومات المرتبطة بأفعال الفساد تضمن السرية والحيادية، وتفعل مساطر البحث والتحري اللازمة عند الاقتضاء.
تمارس الهيئة هذه الرسالة من خلال:
1. كونها قطبا وطنيا للمعرفة والتحليل والتوجيه في قضايا النزاهة وتخليق الحياة العامة والحكامة؛
2. كونها آلية مؤسساتية للتنسيق والتقاطع بين الفاعلين المعنيين بالوقاية والمساءلة؛
3. كونها قوة اقتراحية مستقلة تدفع نحو ملاءمة المنظومة القانونية والمؤسساتية مع الدستور ومع الالتزامات والمعايير الدولية؛
4. كونها محركا للتعبئة المجتمعية والثقافية والإعلامية حول النزاهة كمصلحة وطنية مشتركة؛
5. كونها جهة بحث وتحري في مجال مكافحة الفساد؛
6. كونها فاعا على الصعيد الدولي، يعكس صورة المغرب في الفضاءات الإقليمية والدولية المتخصصة، ويمثل موقعه ضمنها، ويدافع عن جاهزيته وصدقيته المؤسسية.
بهذه الرسالة وعناصر تحقيقها، تتحول الهيئة من مؤسسةٍ مراقِبة إلى جهة معيارية ذات أثر عام. وبالتالي، إلى فاعل استراتيجي يسعى إلى تحويل النزاهة من التزام قانوني إلى رأسمال وطني، يرفع من جودة السياسات العمومية، ويعزز ثقة المواطن في مؤسساته، ويؤطر العلاقة بين الدولة والمجتمع في أفق حكامة ديمقراطية أكثر نزاهة.
لا يمكن بناء شرعية دائمة من دون هوية قيمية واضحة؛ لذا تستند الهيئة في ممارستها لمهامها إلى منظومة قيمية تشكل مرجعها الأخلاقي والسلوكي في العمل المؤسساتي تجمع بين:
الهيئة، عبر هذه الاستراتيجية، لا تعد فقط بإنجاز برامج؛ إنها تلتزم بالعمل على قيادة تحول ثقافي ومؤسساتي قابل للقياس، قائم على:
• الاستشراف في الوقاية قبل وقوع الضرر؛
• الوضوح في التواصل مع المواطن؛
• الاستباق في رصد المخاطر؛
• الشفافية والوضوح في تفسير القرار العمومي.
في أفق 2030 ، طموحات الهيئة ليست تقنية. بل إن طموحها سياسي بمعنى مؤسسات الدولة، وأخلاقي بمعنى العدالة، ومجتمعي بمعنى الثقة. فهي تطمح إلى أن تكون:
• الضامن المؤسسي للنزاهة العمومية؛
• فاعلا مرجعيا لإعادة الثقة والمصداقية في حكامة الشأن العام؛
• منصة للتعبئة الوطنية المشتركة ضد الفساد.
كل هذا من شأنه أن يحول مكافحة الفساد من مجرد خطاب دفاعي في تقارير الهيئة إلى حق جماعي، ومصلحة وطنية عليا، وخيار استراتيجي لبناء المستقبل.