السيدات والسادة الوزراء، وممثلي المؤسسات الدستورية والهيئات العمومية، 

أصحاب السعادة السفراء وممثلو المنظمات الدولية، 

السيدات والسادة الفاعلون الاقتصاديون والأكاديميون وممثلو المجتمع المدني، 

أعضاء الفرق المشاركة، 

وسائل الإعلام 

الحضور الكريم 

يسعدني أن أرحب بكم جميعاً في حفل اختتام الدورة الأولى من "هاكاثون النزاهة"، هذا الموعد الذي لم نرد له منذ البداية أن يكون مجرد مسابقة عابرة أو تظاهرة ظرفية، بل سعينا إلى أن يكون تجربة وطنية لاختبار قدرة الابتكار والتكنولوجيا على الإسهام في بناء حلول جديدة تخدم النزاهة والشفافية وتعزز الثقة في المؤسسات. 

 

لقد انطلقت هذه المبادرة من قناعة ربما بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها. قناعة مفادها أن تحديات النزاهة لا يمكن مواجهتها بالأدوات التقليدية وحدها، وأن مكافحة الفساد لم تعد مسؤولية المؤسسات الرقابية والقضائية فحسب، بل أصبحت ورشاً جماعياً مفتوحاً أمام المبدعين والباحثين والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني وكل من يملك فكرة قادرة على إحداث أثر إيجابي في حياة المواطنين والمؤسسات. 

 

وعندما أطلقت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها هذه المبادرة قبل أسابيع، كنا نراهن على فكرة أساسية مفادها أن بلادنا تتوفر على طاقات وكفاءات قادرة على الإسهام في تطوير حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الحكامة والنزاهة، وأن التكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية لتعزيز الشفافية والوقاية من الفساد. واليوم، يمكننا أن نقول بكل ثقة إن هذا الرهان كان في محله. 

 

فقد استقطبت هذه الدورة الأولى 128 مشروعاً ومقترحاً من مختلف جهات المملكة، تقدمت بها إدارات ومؤسسات وهيئات عمومية وجامعات ومراكز للتكوين ومقاولات ناشئة ومكونات من المجتمع المدني وفضاءات شبابية. وهو ما لا يعكس فقط حجم الإقبال على المبادرة، بل يكشف عن وجود رأسمال بشري ومعرفي مهم يؤمن بأن بناء مستقبل أكثر نزاهة وشفافية لا يمر عبر التشريعات والمؤسسات فقط، وإنما أيضاً عبر الابتكار وإنتاج الحلول. 

 

لقد كشفت المشاريع المقدمة عن مستوى لافت من الإبداع، وعن قدرة حقيقية على استثمار التكنولوجيات والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأدوات الرقمية في معالجة إشكالات ترتبط بالشفافية والوقاية من مخاطر الفساد، وتقوية التفاعل مع المواطنين وتطوير آليات الإنذار المبكر واليقظة المؤسساتية. وهذا في حد ذاته مكسب وطني يستحق التثمين. 

 

السيدات والسادة، إن ما تحقق خلال هذه الدورة يتجاوز بكثير اختيار عدد من الفرق الفائزة أو منح جوائز لمشاريع متميزة. فالنجاح الحقيقي لهذه المبادرة يتمثل في أنها أثبتت أن النزاهة يمكن أن تكون أيضاً مجالاً للإبداع والابتكار وريادة الأعمال وإنتاج المعرفة. وأثبتت كذلك أن الشباب المغربي لا ينظر إلى قضايا الحكامة باعتبارها موضوعاً تقنياً أو مؤسساتياً بعيداً عنه، بل باعتبارها مجالاً يمكن أن يساهم فيه بخبرته وإبداعه وقدرته على إنتاج الحلول. 

 

لقد تعودنا، في كثير من الأحيان، على الحديث عن الفساد باعتباره مشكلة ينبغي مكافحتها، لكن التجارب الأكثر نجاحاً علمتنا أن المجتمعات لا تتقدم فقط لأنها تحارب الاختلالات، وإنما لأنها تنجح في بناء البدائل. والبدائل التي نحتفي بها اليوم هي هذه الأفكار والمشاريع التي اختارت أن تبحث عن حلول بدل الاكتفاء بتشخيص المشكلات، وأن تستثمر التكنولوجيا في تعزيز الوقاية بدل الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الضرر. فمستقبل النزاهة لن يُبنى فقط من خلال آليات الزجر، وإنما أيضاً من خلال القدرة على تصميم أدوات ذكية تساعد على التوقع والاستباق وإدارة المخاطر وتعزيز الثقة وترسيخ ثقافة الشفافية داخل المؤسسات وفي المجتمع. 

 

ومن هنا تأتي الأهمية الخاصة لمبادرة هاكثون النزاهة. فهي لا تنتمي فقط إلى مجال الابتكار التكنولوجي، وإنما تندرج ضمن رؤية أوسع تسعى إلى الانتقال التدريجي نحو بناء بيئات مؤسساتية أكثر قدرة على منع تشكل مخاطر الفساد وتقليص فرصه وتعزيز عوامل النزاهة داخلها. 

 

السيدات والسادة، 

 

لا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بخالص التقدير والامتنان إلى أعضاء لجنة التحكيم الذين تحملوا مسؤولية دقيقة ومعقدة لانتقاء المشاريع الأكثر تميزا خلال هذه الدورة، فالأكيد أن مهمتهم لم تكن سهلة بالنظر إلى جودة المشاريع المقدمة وتقارب مستويات العديد منها، وهو ما جعل عملية الاختيار عملية دقيقة استدعت قدراً عاليا من الموضوعية والتجرد والخبرة، لتكون النتائج التي سنعلن عنها اليوم ثمرة تنافس حقيقي قائم على الاستحقاق والكفاءة وجودة المشروع وأثره المحتمل. 

 

كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى الخبراء والمؤطرين والمواكبين الذين رافقوا الفرق المشاركة طيلة هذه التجربة، وتقاسموا معها خبراتهم ومعارفهم، وساهموا في صقل الأفكار وتحويلها إلى نماذج أكثر نضجاً وقابلية للعرض. 

 

حضرات السيدات والسادة، لقد كان نجاح هذه المبادرة ثمرة عمل جماعي شاركت فيه كفاءات وخبرات متعددة، آمنت جميعها بأهمية الاستثمار في الابتكار باعتباره أحد المداخل الواعدة لتعزيز النزاهة والحكامة الجيدة. 

 

إن الفرق التي ستعتلي منصة التتويج بعد قليل تستحق كل التقدير لما أبانت عنه من تميز واجتهاد وقدرة على تطوير مشاريع واعدة. لكنني أود أن أؤكد بالقدر نفسه أن قيمة هذه التجربة لا تختزل في أسماء الفائزين وحدهم. 

 

فكل فريق شارك في هذه الدورة، وكل فكرة تم تطويرها، وكل جهد بُذل خلال الأسابيع الماضية، يشكل جزءاً من النجاح الجماعي الذي نحتفل به اليوم. ودليلا مباشرا على أن"الفساد ليس قدراً محتوماً، ولم يكن يوماً من طبع المغاربة" كما قال جلالة الملك نصره الله. 

 

ولذلك فإنني أتوجه بتحية خاصة إلى جميع الفرق التي لم يحالفها التتويج في هذه الدورة، لأن مساهمتها كانت أساسية في إنجاح هذه التجربة وإغناء النقاش وإبراز التنوع الكبير في المقاربات والحلول المقترحة. 

 

ففي مثل هذه المبادرات لا تقاس القيمة فقط بالمراتب المحصل عليها، وإنما أيضاً بالشجاعة التي يتطلبها تحويل فكرة إلى مشروع، وبالإرادة التي يتطلبها خوض تجربة جديدة، وبالمعرفة والخبرة التي يكتسبها المشاركون خلال هذا المسار. 

 

السيدات والسادة، إن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها تنظر إلى هذه المبادرة باعتبارها بداية مرحلة جديدة نأمل أن تتحول فيها الأفكار إلى نماذج قابلة للتطوير، وأن تنتقل الحلول من فضاء التجريب إلى فضاء التطبيق، وأن تجد المشاريع الواعدة من يواكبها ويحتضنها ويفتح أمامها إمكانات الإسهام الفعلي في تطوير منظومة النزاهة والحكامة ببلادنا. 

 

كما نأمل أن يشكل هذا الموعد منصة وطنية متجددة تجمع سنوياً بين الفاعلين العموميين والقطاع الخاص والجامعة والمجتمع المدني والمبتكرين الشباب حول هدف مشترك يتمثل في إنتاج حلول عملية للتحديات ذات الصلة بالنزاهة والشفافية والثقة في المؤسسات. 

 

حضرات السيدات والسادة، 

 

إننا نحتفل اليوم بمشاريع فائزة، لكننا نحتفل قبل ذلك بفكرة انتصرت. فكرة مفادها أن النزاهة ليست فقط قيمة أخلاقية أو التزاماً قانونياً، بل هي أيضاً مجال للإبداع وإنتاج الحلول وصناعة المستقبل. وإذا كانت هذه الدورة الأولى قد أثبتت وجود هذا الزخم الوطني الواعد، فإن الرابح الحقيقي اليوم ليس فقط أصحاب المراتب الأولى، وإنما منظومة وطنية كاملة بدأت تتشكل عند نقطة التقاء الابتكار بالنزاهة، والتكنولوجيا بالمصلحة العامة، والكفاءة المواطنة بخدمة الوطن. 

 

ذلك هو الرهان الذي نؤمن به، وذلك هو الأفق الذي نطمح إلى مواصلة بنائه معاً. 

 

شكراً لكم جميعاً.

أحدث المستجدات

01/07/2026
  • مستجدات :

السيدات والسادة الوزراء، وممثلي المؤسسات الدستورية والهيئات العمومية، أصحاب السعادة السفراء وممثلو المنظمات الدولية، السيدات والسادة الفاعلون الاقتصاديون والأكاديميون وممثلو المجتمع المدني،…

29/06/2026
  • مستجدات :

وسط أجواء من الابتكار والتعاون، انطلقت اليوم الاثنين 29 يونيو 2026 بمدينة الرباط أشغال المرحلة الحضورية للدورة الأولى من الهاكاثون الوطني للنزاهة “نزاهثون”، الذي تنظمه الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية…

25/06/2026
  • مستجدات :

إلى جانب مشاركته في أشغال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، عقد السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، لقاءا مع السيد Mathia…