أكد السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن الصحافة المهنية تشكل أحد الأعمدة الأساسية لأي منظومة فعالة للنزاهة والشفافية والمساءلة، معتبرا أن المجتمعات التي تنجح في الحد من الفساد ليست فقط تلك التي تتوفر على مؤسسات رقابية وقضائية قوية، وإنما أيضا تلك التي تمتلك إعلاما مهنيا مستقلا قادرا على كشف الاختلالات، وفهم أسبابها، وتحويلها إلى موضوع للنقاش العمومي المسؤول. 

 

وجاء ذلك خلال افتتاح أشغال الورشة التكوينية التي نظمتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بشراكة مع منتدى الإعلام والمواطنة حول موضوع "آليات وضوابط التناول الإعلامي لقضايا الفساد والرشوة". وأوضح رئيس الهيئة أن الصحفي لا يقتصر دوره على نقل الوقائع أو الوساطة بين الخبر والمتلقي، بل يعد فاعلا أساسيا في إنتاج الوعي العام وتوسيع دائرة اليقظة المجتمعية وتعزيز قدرة المواطنين على فهم القضايا المرتبطة بالنزاهة والشفافية والمساءلة. 

 

وأبرز أن العديد من التجارب الدولية أظهرت أن بعض ملفات الفساد الكبرى لم تبدأ بتقارير رقابية أو إجراءات قضائية، بل انطلقت من أسئلة صحفية جادة أو تحقيقات استقصائية مهنية أو من قدرة عمل صحفي على الربط بين معطيات متفرقة وتحويلها إلى معرفة عامة تكشف مواطن الخلل ومخاطر الانحراف. 

 

وأكد في هذا السياق أن الجرأة تظل من القيم المؤسسة للعمل الصحفي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في جعلها قائمة على الدقة والتحقق والمسؤولية المهنية. كما شدد على أن التناول الإعلامي لقضايا الفساد يظل من أكثر مجالات العمل الصحفي حساسية وتعقيدا، بالنظر إلى ما يفرضه من توازن دقيق بين الحقوق. كما توقف رئيس الهيئة عند الإكراهات المتزايدة التي تواجه الصحفيين العاملين في هذا المجال، وفي مقدمتها صعوبة الولوج إلى المعلومة، وتعقيد الملفات المالية والإدارية، وضغط الزمن الإعلامي، وهشاشة النموذج الاقتصادي لبعض المؤسسات الإعلامية، والمخاطر القانونية المرتبطة بالقذف والتشهير، وضغط الرأي العام، فضلا عن محاولات التوظيف والاستعمال من قبل أطراف ذات مصالح متعارضة. 

 

وأكد السيد بنعليلو أن الحديث عن مسؤولية الصحافة في مكافحة الفساد لا ينبغي أن يتحول إلى تحميل الصحفي وحده أعباء المنظومة برمتها، لأن الصحافة المهنية لا تستطيع أداء وظائفها كاملة إلا داخل بيئة مؤسساتية داعمة توفر حقا فعليا في الحصول على المعلومة، وتضمن تواصلا عموميا واضحا وشفافا، وقضاء يحمي الحقوق والحريات، وتكوينا متخصصا، ونموذجا اقتصاديا يسمح بإنجاز التحقيقات المعمقة والمكلفة بدل الارتهان لمنطق السرعة والإثارة. 

 

وفي معرض حديثه عن استقلالية الصحافة، أوضح رئيس الهيئة أن الاستقلالية لا تعني فقط الاستقلال عن السلطة، بل تعني أيضا الاستقلال عن مختلف مراكز الضغط والمصالح وعن المعلومات الموجهة والوثائق المنتقاة والمصادر التي تسعى إلى توظيف الإعلام لخدمة أجندات خاصة. واعتبر أن الحفاظ على هذه المسافة النقدية تجاه جميع الفاعلين دون استثناء يمثل إحدى الضمانات الأساسية لمصداقية العمل الصحفي. 

 

كما حذر من بعض الممارسات التي قد تضعف الأثر الحقيقي للصحافة في مكافحة الفساد، وعلى رأسها تضخم الخطاب حول الفساد في غياب المعطيات الكافية والأدلة الموثقة.

 

وأوضح أن الإغراق في الحديث عن الفساد قد يعكس يقظة مجتمعية صحية عندما يستند إلى أسس مهنية صلبة، لكنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية عندما يتحول إلى اتهامات عامة أو استنتاجات غير موثقة، بما قد يفضي إلى تطبيع المجتمع مع الفساد أو إلى ترسيخ صورة تبخس جهود الإصلاح ويوحي بأن جميع المؤسسات فاقدة للمصداقية، وهو ما ينعكس سلبا على الثقة العامة وعلى فعالية العمل الإصلاحي نفسه. وشدد السيد بنعليلو في هذا الإطار على أن مكافحة الفساد تحتاج إلى تعبئة مجتمعية واعية لا إلى إحباط جماعي، وإلى مساءلة دقيقة لا إلى تعميمات فضفاضة، وإلى كشف الاختلالات ومعالجتها لا إلى إنتاج سرديات تجعل الإصلاح يبدو مستحيلا في نظر المواطنين. 

 

وجدد التأكيد على أن الصحافة القوية ليست هي التي تتحدث أكثر عن الفساد، بل هي التي تتحدث عنه بشكل أدق وأكثر مهنية وقدرة على إنتاج أثر إصلاحي فعلي، فالتحدي المطروح اليوم لا يتمثل في إنتاج ضجيج أكبر حول الفساد، وإنما في إنتاج معرفة أعمق حوله؛ معرفة تنتقل من الانطباع إلى الدليل، ومن الإثارة إلى التحليل، ومن التعميم إلى التمييز، ومن الخبر المعزول إلى الفهم المركب للظواهر والسياقات.

 

وفي ختام كلمته، أكد رئيس الهيئة أن بناء منظومة وطنية فعالة للنزاهة يقتضي تعزيز التكامل بين المؤسسات الدستورية والإعلام المهني والمجتمع، باعتبار ذلك أحد الشروط الأساسية لترسيخ دولة القانون وحماية المصلحة العامة. وأضاف أن الهيئة تحتاج إلى صحافة قوية تطرح الأسئلة الصعبة وتواكب السياسات العمومية وتقرأ المؤشرات والمعطيات وتنتقد الاختلالات بموضوعية ومسؤولية، كما تحتاج الصحافة بدورها إلى مؤسسات أكثر انفتاحا وإلى معطيات أوضح وإلى خطاب عمومي أكثر شفافية. 

 

بينما يحتاج المواطن، في نهاية المطاف، إلى الطرفين معا، مؤسسات تقوم بواجبها في حماية النزاهة والمصلحة العامة، وصحافة تساعده على الفهم والمساءلة دون تضليل أو تهويل. واعتبر أن الفساد يشكل خطرا مباشرا على التنمية والثقة ودولة القانون، غير أن التناول غير المهني لقضايا الفساد قد يتحول بدوره إلى خطر على الحقيقة وعلى العدالة وعلى الثقة العامة وعلى الصحافة نفسها، مؤكدا أن حماية النقاش العمومي حول الفساد لا تقل أهمية عن مكافحة الفساد ذاته، لأن كليهما يرتبط في النهاية ببناء الثقة وترسيخ دولة القانون وتعزيز قدرة المجتمع على الإصلاح. "إن معركة النزاهة لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تقوم بواجبها، بل تحتاج أيضا إلى صحافة مهنية قادرة على تحويل المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى مساءلة، والمساءلة إلى إصلاح."

أحدث المستجدات

13/06/2026

أكد السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن الصحافة المهنية تشكل أحد الأعمدة الأساسية لأي منظومة فعالة للنزاهة والشفافية والمساءلة، معتبرا أن المجتمعات التي ت…

08/06/2026
  • مستجدات :

وقع السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، يوم الإثنين 8 يونيو 2026 بمدينة بازل السويسرية، اتفاقية تعاون مع السيدة إليزابيث أندرسن، المديرة التنفيذية لمعهد بازل…

04/06/2026
  • مستجدات :

في إطار تنزيل استراتيجيتها الرامية إلى تعزيز ثقافة النزاهة وتشجيع الابتكار في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته، أطلقت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها الدورة الأولى من الهاكاثون الو…